الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

57

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المشاهدة . والمراد : نقصان عدد المشركين بدخول كثير منهم في الإسلام ممن أسلم من أهل مكة ، ومن هاجر منهم إلى الحبشة ، ومن أسلم من أهل المدينة إن كانت الآية نزلت بعد إسلام أهل العقبة الأولى أو الثانية ، فكان عدد المسلمين يومئذ يتجاوز المائتين . وتقدم نظير هذه الجملة في ختام سورة الرعد . وجملة أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ مفرعة على جملة التعجيب من عدم اهتدائهم إلى هذه الحالة . والاستفهام إنكاري ، أي فكيف يحسبون أنهم غلبوا المسلمين وتمكنوا من الحجة عليهم . واختيار الجملة الاسمية في قوله تعالى : أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ دون الفعلية لدلالتها بتعريف جزأيها على القصر ، أي ما هم الغالبون بل المسلمون الغالبون ، إذ لو كان المشركون الغالبين لما كان عددهم في تناقص ، ولما خلت بلدتهم من عدد كثير منهم . [ 45 ] [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 45 ] قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ ( 45 ) استئناف ابتدائي مقصود منه الإتيان على جميع ما تقدم من استعجالهم بالوعد تهكما بقوله تعالى : وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ [ الأنبياء : 38 ] ، من التهديد الذي وجه إليهم بقوله تعالى : لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [ الأنبياء : 39 ] إلخ . . . ومن تذكيرهم بالخالق وتنبيههم إلى بطلان آلهتهم بقوله تعالى : قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ إلى قوله تعالى : حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ [ الأنبياء : 42 - 44 ] ، ومن الاحتجاج عليهم بظهور بوارق نصر المسلمين ، واقتراب الوعد بقوله تعالى : أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها [ الأنبياء : 44 ] ، عقب به أمر اللّه رسوله أن يخاطبهم بتعريف كنه دعوته ، وهي قصره على الإنذار بما سيحلّ بهم في الدنيا والآخرة إنذارا من طريق الوحي المنزل عليه من اللّه تعالى وهو القرآن ، أي فلا تعرضوا عنه ، ولا تتطلبوا مني آية غير ذلك ، ولا تسألوا عن تعيين آجال حلول الوعيد ، ولا تحسبوا أنكم تغيظونني بإعراضكم والتوغل في كفركم . فالكلام قصر موصوف على صفة ، وقصره على المتعلّق بتلك الصفة تبعا لمتعلقه فهو قائم مقام قصرين . ولم يظهر لي مثال له من كلام العرب قبل القرآن . وهذا الكلام يستلزم متاركة لهم بعد الإبلاغ في إقامة الحجة عليهم وذلك ذيل بقوله تعالى : وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ . والواو للعطف على إِنَّما أُنْذِرُكُمْ